الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
18
نفحات الولاية
فقد تحدث مراراً وكراراً بهذا الشأن في شرحه وأذعن لعظمة فصاحة وبلاغة النهج . فقد قال على سبيل المثال بشأن الخطبة 221 التي أوردها علي عليه السلام - بشأن البرزخ - « وينبغي لو اجتمع فصحاء العرب قاطبة في مجلس وتلي عليهم ، أن يسجدوا له كما سجد الشعراء لقول عدي ابن الرقاع : قلم أصاب من الدواة مدادها . . . فلم قيل لهم في ذلك قالوا إنا نعرف مواضع السجود في الشعر كما تعرفون مواضع السجود في القرآن » « 1 » . ثم قال في موضع آخر حين عرض للمقارنة بين كلام أمير المؤمنين علي عليه السلام وكلام « ابن نباتة » « 2 » الخطيب المعروف الذي عاش في القرن الهجري الرابع : « فليتأمل أهل المعرفة بعلم الفصاحة والبيان هذا الكلام بعين الانصاف ليعلموا أنّ سطراً واحداً من كلام نهج البلاغة يساوي ألف سطر منه بل يزيد ويربي على ذلك » « 3 » . وينقل أيضاً إحدى خطب ابن نباتة في الجهاد والتي تمثل قمة الفصاحة وقد ضمنها عبارات أمير المؤمنين عليه السلام الواردة في الجهاد « ما غزي قوم في عقر دارهم إلّاذلّوا » فيقول : « فانظر إلى هذه العبارة كيف تصيح من بين الخطبة صياحاً وتنادي على نفسها نداءً فصيحاً ، وتعلم سامعها أنّها ليست من المعدن الذي خرج باقي الكلام منه ، ولا من الخاطر الذي صدر ذلك السجح عنه ، ولعمر اللَّه ، لقد جمّلت الخطبة وحسنتها وزانتها وما مثلها فيها إلّاكآية من الكتاب العزيز يتمثل بها في رسالة أو خطبة ، فانّها تكون كاللؤلؤة المضيئة تزهر وتنير ، وتقوم بنفسها ، وتكتسي الرسالة بها رونقاً ، وتكتسب بها ديباجة » « 4 » . وأخيراً نختتم كلامه بما أورده في مقدمة شرحه للنهج حيث قال : « وأمّا الفصاحة فهو عليه السلام إمام الفصحاء وسيد البلغاء وفي كلامه قيل : دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوقين ومنه تعلم الناس الخطابة والكتابة » « 5 » . 3 - « جورج جرداق » الكاتب المسيحي اللبناني المعروف الذي ألف كتابه المشهور
--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 11 / 153 . ( 2 ) هو أبو يحيى عبد الرحيم بن محمد بن إسماعيل بن نباتة المتوفى عام 374 . ( 3 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 7 / 214 . ( 4 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 / 84 . ( 5 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 / 24 .